السيد جعفر مرتضى العاملي

154

الصحيح من سيرة الإمام علي ( ع )

أما الأمير الثالث ، فقد أعنف بهم في السير ، حتى خافوا أن ينقطعوا من التعب ، وأن تحفى دوابهم . . ولا بد أن يثقل أمر هذا القائد عليهم ، الذي فعل بهم ذلك ، وأن تتجافى عنه قلوبهم ، ولا يندفعون في محبته ، وفي طاعته بالمقدار الذي يحظى به اللذان سبقاه . . ولكن النتائج جاءت معاكسة تماماً ، فقد تحقق النصر ، وكان نصيبهم معه الفتح والعز والكرامة ، وكانت الهزيمة والمذلة ، والمعصية لله في عرشه ولرسوله مع ذينك الأولين . وهذا مثل للبشر جميعاً ، يحمل لهم العبرة ، والعظة ، ويدعوهم للتأمل العميق ، والفكر الدقيق ، حملته لنا كلمته « صلى الله عليه وآله » لعلي « عليه السلام » عن جبرئيل : « فأخبرني : أن الله يفتح عليه ، وعلى أصحابه » . . فقد نسب الفتح إلى الله ، الذي حبا به علياً « عليه السلام » وأصحابه معاً ، مع أن الإنسان العادي قد يتوقع تخصيص الفتح بعلي دون أصحابه ، الذين هزموا مع القائدين اللذين سبقاه . . ولكن الله ورسوله يريدان لنا أن ندرك حقيقة أن القيادة الصالحة ، هي التي تصنع المواقف ، وتغير من أحوال الرعية ، وتؤثر في توجهاتها ومواقفها ، وتعطيها صلابة في الدين ، وورعاً في يقين ، وتحملها على الصراط المستقيم ، ولو لم تصدر لها أمراً ، أو تفرض عليها قراراً ، أو تبتز منها موقفاً . وهي التي تثير حميتها وإباءها ، وتمنحها نفحة الشجاعة والإقدام ، أو التخاذل والإحجام . . وقد ظهر ذلك في هذه الغزوة بصورة جلية وواضحة ، فقد ساقهم